منير سلطان

133

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ولكن - هذه القصص التي تروى لأناس أسلموا باعجاز القرآن ، فكيف تؤخذ قصصهم حجة ، والأولى أن نذكر قول الكافرين للكافرين حين اختلوا بأنفسهم وتحدثوا في شأن القرآن ، ثم نجادلهم فيما قالوا ، حتى لا نحتج عن الخصم برأي نراه . وبقول نقوله نحن ؟ ويجيب الجرجاني على هذه الشبهة بأن الدلالة ليست من نفس القول ، وذات الصفة بل في مصدرهما ، وفي أن أخرجا مخرج الأخبار عن أمر هو كالشئ البادى للعيون « 1 » فالاعتماد هنا على الخبرة وذويها وعلى مقتضى العلم ، وليس على الصفة من جانب كفر أو ايمان . وإذا كان القرآن معجزا ، وفائتا لما يستطيعه العرب من ضروب النظم وأنواع التصرف فقد وجب القطع بأنه معجز لأحد سببين : 1 - أما أن يكونوا قد علموا مقدار الفرق بين النظم والنظم والنسج والنسج ، فأقروا وانتهى الأمر « 2 » . 2 - وأما أنهم قد توهموا هذه المزية لغلط دخل عليهم أو لمرض ، أصابهم ، وثاني الأمرين ، لغو يقال والذي يقال أنه : قد علمنا أنهم يقدمون شعراء الجاهلية على أنفسهم . ويقرون لهم بالفضل ، ويجمعون على أن امرأ القيس وزهيرا والنابغة والأعشى من أشعر العرب ، وإذا كان ذلك كذلك - فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوا ؟ ويجيب الجرجاني - بأن هذا الفصل - على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة ، ذلك أنهم كانوا يرون أشعار الجاهليين وخطبهم ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكل جهات الفضل عليهم ، فلو كانوا يرون فيما رووا مزية على القرآن ، أو رأوه قريبا منه لكانوا يدّعون ذلك ، ولو ذكروه لذكر عنهم « 3 » .

--> ( 1 ) انظر الجرجاني - الرسالة الشافية - 586 . ( 2 ) قارن بين هذا وبين ما ذهب إليه القاضي في تعريف الصرفة عنده « أنا نقول إن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة على ما دللنا عليه ، ولولا علمهم بذلك لم تكن لتصرف دواعيهم - لأنا نجعل دواعيهم تابعة لمعرفتهم بأنها متعذرة - » عبد الجبار - إعجاز القرآن - 324 . ( 3 ) انظر الجرجاني - الرسالة الشافية - 587 .